“كابونيكرو”: المحمية التي يسكنها القانون وتُذبح فيها حقوق الشغيلة.!
✍️ بقلم: محمد الرضاوي:
تطوان – كابونيكرو:
تحقيق صادم: وزراء وجنرالات يمارسون “السخرة” في حق حراس فيلاتهم.. ليلا للحراسة، نهارا للبستنة، وحقوق خارج التغطية.

“بينما كان يصدح صوت القيادي في حزب السنبلة والوزير السابق امحند العنصر في المحافل السياسية عن العدالة الاجتماعية، ويُنظر عمر عزيمان لمفاهيم الحقوق والواجبات، وتُرفع آيات الفخر ببطولات هشام الكروج العالمية، تختبئ خلف أسوار فيلاتهم الفارهة بمنتجع ‘كابونيگرو’ شمال المغرب حقيقة صادمة تعري واقع ‘السخرة’ في مغرب القرن الواحد والعشرين. هنا، في هذا المربع الذهبي الذي يجمع أسرة أمقران وآل الطريس بجنرالات في الجيش وولاة سابقين، يُذبح قانون الشغل بدم بارد؛ حيث يرزح مئات الحراس تحت وطأة استغلال بشع، يجمعون فيه بين ‘خفارة الليل’ و’بستنة النهار’ مقابل أجور مهينة لا تلامس حتى الحد الأدنى، محرومين من ‘التغطية الصحية’ و’الضمان الاجتماعي’ في مفارقة مخزية: حماة القانون وصناع القرار هم أول من يخرقونه فوق رمال الشمال، بجوار أباطرة المخدرات الذين يتقاسمون معهم نفس السياج ونفس منطق الاستعلاء على حقوق البسطاء.
في “كابونكرو”، حيث تلتقي زرقة المتوسط بفخامة القصور، تختبئ خلف الأسوار العالية والحدائق الغناء قصص “عبودية حديثة” يُبطل مفعولها القانون عند عتبة أبواب “علية القوم”. هنا، حيث يقضي الوزراء السابقون، والمسؤولون السامون، والجنرالات، وقادة الأحزاب عطلاتهم الباذخة، يعيش جيش من “الحراس” واقعاً يجرّد الشعارات الحقوقية من معناها.
حارس بـ”مهام متعددة” وأجر “صدقة”:
السيناريو يتكرر في أغلب فيلات المنتجع: رجل واحد هو الحارس ليلًا، والبستاني نهارًا، والمنظف عند الطلب. يشتغل هؤلاء “على مدار الساعة” (24/24)، دون نظام العطلة السنوية أو راحة أسبوعية. أما الأجر، فغالباً ما يكون “هزيلاً” لا يتعدى نصف الحد الأدنى للأجور (السميك)، يُدفع نقداً لضمان عدم وجود أثر قانوني للعلاقة الشغلية .
غياب الحماية: لا ضمان ولا أمان،
الصدمة ليست في هزالة الأجر فحسب، بل في “الإقصاء الممنهج”
من الحقوق الأساسية: انعدام التغطية الصحية:
في حال تعرض الحارس لوعكة صحية أو إصابة عمل أثناء تقليم الأشجار، يجد نفسه وحيداً أمام المصير، فلا “تأمين” يحميه ولا “تغطية” تسنده
خارج سجلات الضمان الاجتماعي (CNSS): رغم أن مشغليهم هم من يوقعون القوانين في البرلمان ويحثون المواطنين على التصريح بالأجراء، إلا أن حراس فيلاتهم يظلون “أشباحاً” غير مصرح بهم، محرومين من أي تقاعد مستقبلي..
مفارقة “حماة القانون” و”خارقي القانون”:
تكمن الفضيحة الكبرى في “هوية” المشغلين. نحن لا نتحدث عن مقاولين صغار، بل عن وزراء سابقين طالما صدحت حناجرهم في البرلمان بالدفاع عن “كرامة الشغيلة”. مسؤولين سامين وقادة عسكريين، من يُفترض أنهم حماة الانضباط وتطبيق القانون.
قادة أحزاب: يرفعون شعارات “العدالة الاجتماعية” في حملاتهم الانتخابية، ويمارسون “الاستغلال” في ممتلكاتهم الخاصة.
الخوف من “الطرد” يخرس الألسن
لماذا يسكت هؤلاء؟
الجواب بسيط: “الحاجة”. أغلب الحراس ينحدرون من مناطق قريبة فقيرة، وأي مطالبة بالحقوق تعني “الطرد الفوري” دون تعويض، في ظل غياب عقود عمل مكتوبة تحميهم. إنهم يواجهون “لوبي” من النفوذ يجعل من اللجوء إلى القضاء مغامرة غير مأمونة العواقب.
حقوق معلقة على أسوار الفيلات:
إن ما يحدث في “كابونگرو” هو مرآة لشرخ عميق بين “مغرب الشعارات” و”مغرب الواقع”. فكيف يستقيم أن ينام “مسؤول” ملء جفونه، بينما حارسه الذي يسهر على أمنه وأمن مسكنه يفتقر لأدنى شروط العيش الكريم..؟
إنها دعوة للمفتشية العامة للشغل والجهات الرقابية لكسر حاجز “الحصانة الاجتماعية” التي يتمتع بها هؤلاء المسؤولون، وإعادة الاعتبار لمهنة “الحارس” التي تحولت في إقامات الكبار إلى “سخرة” في زمن الحداثة.
كابونگرو.. قلعة ‘الريع’ التي لا يحكمها القانون:
إن ما يحدث خلف الأسوار العالية لمنتجع “كابونگرو” ليس مجرد “تقصير إداري”، بل هو إمعان في تكريس نظام “السخرة” برعاية نخبة سياسية وأمنية يُفترض أنها حامية الحقوق. إن تجاور فيلات وزراء سابقين كـ العنصر وعزيمان، وأبطال كـ الكروج، ومسؤولين عسكريين وأمنيين كبار، مع قصور أباطرة المخدرات، في منطقة بُنيت أغلب عقاراتها على “تفويتات مشبوهة”، يطرح سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً: كيف ينام هؤلاء المسؤولون بسلام وهم يسرقون عرق وبساطة حراس يتقاضون “فتات الدراهم” ويُحرمون من حقهم في التطبيب والتقاعد؟
إن صمت وزارة الشغل والإدماج المهني، وتغاضي مفتشية الشغل عن زيارة هذه “المحميات”، هو تواطؤ مفضوح يضرب في عمق مشروع “الدولة الاجتماعية” الذي يروج له الخطاب الرسمي. إن هؤلاء الحراس الذين يشتغلون “ليلاً للحراسة ونهاراً للبستنة” ليسوا مجرد “أرقام” في فيلات الكبار، بل هم مواطنون مغاربة تُنتهك كرامتهم تحت أعين “حماة الدستور”.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن تظل “كابونگرو” جزيرة معزولة عن المحاسبة. إن المجلس الأعلى للحسابات والنيابة العامة مطالبان بفتح تحقيق مزدوج: الأول في طريقة تفويت هذه الأراضي التي شيدت فوقها فيلات ضخمة والامتيازات العقارية التي منحت لـ”علية القوم”، والثاني في الخروقات القانونية الجسيمة لقانون الشغل التي تجعل من مسؤولين سامين “خارجين عن القانون” في ممتلكاتهم الخاصة.
لقد آن الأوان لكسر جدار الصمت؛ فالفخامة التي تُبنى على أنقاض حقوق المستضعفين ليست إلا “فساداً” مغلفاً بالبريق.