تاريخ العار الإنساني: حين تسقط الأقنعة في مياه الخليج

بقلم: محمد الرضاوي: 

يُسجل التاريخ في صفحاته السوداء فصولاً لا تُمحى من الانكسار الأخلاقي، لكن ما نعيشه اليوم في ظل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل ضد إيران، يتجاوز كل وصف، ليصبح بحق “تاريخ العار الإنساني”. إنها حربٌ لم تترك خلفها سوى أشلاء الأطفال ودماء الأبرياء التي صبغت أرض المنطقة، في مشهد يندى له جبين البشرية.

لقد تحولت مياه الخليج إلى مقبرة ليس فقط للطموحات السياسية، بل ولأحدث ما أنتجته المصانع العسكرية؛ فرغم الترسانة الهائلة، وقفت واشنطن عاجزة عن حماية جيشها وطائراتها التي تساقطت كأوراق الخريف في عرض البحر أمام ضربات لم تكن في الحسبان. هذا العجز العسكري كشف زيف القوة المطلقة، وأثبت أن التكنولوجيا مهما بلغت، لا يمكنها توفير حصانة لمن يعتدي على سيادة الشعوب.

وفي قلب هذه المأساة، برز الدور القاتم لحلفاء واشنطن الذين استباحوا كل المحرمات الدولية، مرتكبين جرائم حرب بأسلحة أمريكية الصنع وبتغطية سياسية كاملة. لم تعد الصواريخ تفرق بين هدف عسكري وبيت آمن، فأصبح قتل المدنيين “أضراراً جانبية” في أجندة لا تعرف سوى لغة الدمار.

ولم تقف آثار هذه الحرب عند حدود الجغرافيا المشتعلة، بل امتدت كزلزال عنيف ضرب أركان النظام المالي العالمي. لقد تسببت هذه المغامرات غير المحسوبة في انهيار الاقتصاد العالمي؛ حيث قفزت أسعار النفط إلى مستويات جنونية مهددة بشل حركة النقل الدولية، وتوقفت سلاسل الإمداد مع اختناق الملاحة في مضيق هرمز. إن نزيف البورصات العالمية وفقدان تريليونات الدولارات من قيمتها السوقية لم يكن سوى انعكاس لسياسة “حافة الهاوية”، حيث يدفع المواطن البسيط في شتى بقاع الأرض ثمن أطماع إمبراطورية واهمة، عبر تضخم يلتهم لقمة عيشه.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل هو سقوط مدوٍ لمنظومة القيم التي طالما تشدقت بها القوى الكبرى. إن دماء الأطفال في هذه الحرب ستظل تلاحق القتلة والمخططين، وسيبقى هذا الزمان شاهداً على أن “العار” هو العنوان الوحيد لكل رصاصة أُطلقت لتركيع الشعوب، ولكل طائرة سقطت وهي تحمل الموت للأبرياء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.