زكاة الفطر وفتاوى “الديجيتال”: هل نسينا الفقير وانشغلنا بـ “الكيل والوزن”؟

✍️ بقلم: محمد الرضاوي:

ككل سنة مع اقتراب رحيل رمضان، تشتعل منصات التواصل الاجتماعي والبرامج الإفتائية بمعركة كلاسيكية مملة، يعاد تدويرها سنويا بنفس الشغف والأدوات : “هل نخرج زكاة الفطر نقداً أم طعاماً..؟”.
في مشهد يكشف عن أزمة فكرية عميقة تتجاوز مجرد البحث عن حكم شرعي، لتصل إلى حدود “الجمود الاجتماعي” والانفصال عن الواقع.

1. صنميّة “الخيشة” في زمن البطاقة البنكية !

ـ من المثير للدهشة أننا نعيش في عصر “العملات الرقمية” والتجارة الإلكترونية، وما زال هناك من يصرّ على “حبس” فريضة زكاة الفطر في كيس من القمح أو الشعير، متجاهلاً مقاصد الشريعة في إغناء الفقير. الجرأة الحقيقية هي أن نتساءل: هل يحتاج الفقير في عام 2026 إلى صاع من التمر ليسد جوعه، أم إلى سيولة مالية تقيه ذل السؤال وتدفع عنه إيجار مسكنه..؟ إن الإصرار على النص الحرفي وتجاهل روح النص هو نوع من “الهروب الفقهي” الذي يجعلنا نقدس الوسيلة وننسى الغاية.

“فوبيا” التجديد وتكرار الأسئلة:

لماذا يعيد المسلمون طرح نفس السؤال عن زكاة الفطر، ومعجون الأسنان، وقطرة العين كل عام..وتقبيل الزوجة ؟ الإجابة تكمن في حالة “الكسل المعرفي” التي تكرسها بعض الفتاوى التقليدية. نحن لا نبحث عن “وعي”، بل نبحث عن “براءة ذمة” سريعة ومجانية. لقد تحول رمضان في مخيلة الكثيرين إلى حقل ألغام تقني، حيث التركيز على “صلاحية الصوم” بيولوجياً، بينما تغيب الأسئلة الكبرى حول عدالة التوزيع، والتكافل الاجتماعي الحقيقي، ومحاربة الفقر الجذري.

زكاة الفطر.. استعراض عضلات مذهبي:

تحولت قضية “النقود أم الطعام” من مسألة فقهية يسيرة إلى “تراشق مذهبي” يستعرض فيه كل تيار عضلاته النصية. هذا الجدل السنوي يعكس انقساماً اجتماعياً، حيث يُستخدم الدين أحياناً كأداة لإثبات الأفضلية لا لخدمة المحتاج. وبينما يتصارع “المفتون” حول نوع الحبوب، يظل الفقير في انتظار ما يسد رمقه الفعلي، بعيداً عن ترف النقاشات الفقهية التي لا تطعمه خبزاً في عالم لا يعترف إلا بالعملة الصعبة.

المفارقة المضحكة المبكية:

أكبر تناقض نعيشه هو أن الشخص الذي يستميت للدفاع عن إخراج الزكاة “طعاماً” تمسكاً بالهدي النبوي، هو نفسه من يشتري ملابسه بالبطاقة الائتمانية، ويحجز عمرته عبر التطبيقات، ويقضي يومه خلف شاشة ذكية! فلماذا يحضر التطور في كل تفاصيل حياتنا، ويغيب فجأة عندما يتعلق الأمر بتيسير حياة الفقراء. ؟

رمضان الروح لا رمضان الأوزان:

لقد آن الأوان أن يتوقف المجتمع عن طرح أسئلة “الوزن والكيل”، ويبدأ بطرح أسئلة “الأثر والقيمة”. زكاة الفطر شُرعت لتدخل الفرح على القلوب، لا لندخل بها في صراعات فقهية عقيمة. الجرأة اليوم تقتضي منا أن نقول بملء الفم: “أعطوا الفقير ما ينفعه، لا ما يريح تفكيركم الجامد.

عيد فطر مبارك سعيد للجميع .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.