حين يُشرّع الموت: أيُّ عالمٍ هذا الذي يُحوّل الأرواح إلى أرقام؟

بقلم:مريم مستور: 

لم يعد الأمر مجرّد خبر عابر في نشرات الأخبار، ولا تحليلًا قانونيًا يُناقش في قاعات مغلقة.
ما يحدث اليوم أخطر بكثير. نحن أمام لحظةٍ يُعاد فيها تعريف العدالة نفسها، لحظةٍ يُمنح فيها القانون غطاءً لانتزاع الحياة، لا لحمايتها.

مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليست تفصيلًا تشريعيًا، بل زلزال أخلاقي وقانوني يهزّ ما تبقى من ثقةٍ في منظومة العدالة الدولية. هنا، لا نتحدث عن أرقام أو إحصاءات، بل عن أرواح بشرية، عن أمهاتٍ ينتظرن أبناءهن، وعن عائلاتٍ قد تستيقظ على خبر تنفيذ حكم موتٍ باسم “القانون”.

أيُّ قانونٍ هذا الذي يُفصَّل على مقاس هويةٍ قومية؟
وأيُّ عدالةٍ هذه التي تفرّق بين إنسانٍ وآخر في الحق بالحياة؟

وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن الحق في الحياة مقدّس ولا يجوز المساس به. كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضع قيودًا صارمة على عقوبة الإعدام، إن لم يدفع نحو إلغائها بالكامل.

لكن ما يجري اليوم يتجاوز حتى هذه النقاشات. نحن أمام قانونٍ تمييزي في جوهره، يُطبّق على فئةٍ بعينها، ما يجعله في تضادٍ مباشر مع مبادئ الأمم المتحدة، ومع اتفاقيات جنيف التي تحظر المحاكمات غير العادلة في سياق الاحتلال.

بمعنى أوضح:
هذا ليس تطبيقًا للقانون الدولي… بل تحدٍّ سافر له.

أدانت مؤسسات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش سياسات مشابهة، ورفعت الصوت عاليًا ضد التمييز والانتهاكات.

لكن الحقيقة القاسية أن هذه الأصوات، رغم أهميتها، تصطدم بجدار المصالح السياسية.
فلا قرارات مُلزمة، ولا إجراءات رادعة، ولا حماية حقيقية للأسرى.

في النهاية، تبقى البيانات حبرًا على ورق… بينما الأرواح على المحك.

حين يصبح القوي قادرًا على سنّ القوانين التي تخدمه دون خوفٍ من العقاب، وحين يُترك الضعيف لمصيره تحت لافتة “الشرعية”، فإن السؤال لم يعد فلسفيًا:

هل نعيش فعلًا في زمن القانون… أم في زمن الغاب؟

في هذا العالم، لا يبدو أن العدالة تُقاس بالقيم، بل بموازين القوة.
ومن يملك النفوذ يملك القدرة على الإفلات من المحاسبة، حتى لو تعلّق الأمر بالحياة والموت.

ووسط هذا التصعيد الخطير، يبرز صمتٌ عربيّ يثير أكثر من علامة استفهام.
بيانات شجب خجولة، ومواقف لا ترتقي إلى مستوى الحدث، في وقتٍ تُسنّ فيه قوانين تمسّ جوهر الإنسان وكرامته.

أين الفعل السياسي؟
أين الضغط الحقيقي؟
أين الحد الأدنى من المسؤولية تجاه قضية بهذا الحجم؟

القضية اليوم لم تعد فلسطينية فقط، بل إنسانية بامتياز.
لأن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:

إذا كان القانون يمكن أن يتحول إلى أداةٍ للقتل… فهل ما زال الإنسان آمنًا على نفسه؟

حين تُشرّع الإعدامات على أساس الهوية، وحين يُصمت العالم أمامها، فإن الخطر لا يتوقف عند حدود جغرافية، بل يمتد ليهدد مفهوم العدالة في كل مكان.

في زمنٍ كهذا، يصبح الخوف مشروعًا…
ليس فقط على الضحية، بل على الإنسانية جمعاء.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.