انهيار “قصر البلدية” بتطوان: هل أسقط الإهمال جزءاً من ذاكرة “الحمامة البيضاء”؟
تطوان – محمد الرضاوي :

لم يكن انهيار سقف وأجزاء واسعة من مقر الجماعة الترابية القديم بتطوان (مبنى الأزهر) مجرد حادث عرضي تسببت فيه الأمطار، بل كان “نهاية متوقعة” لمسلسل طويل من الإهمال واللامبالاة تجاه ذاكرة “الحمامة البيضاء”. هذا المبنى الذي صمد لعقود كشاهد على تاريخ تطوان الإداري والمعماري منذ عام 1946، استسلم أخيراً ليس لقوة الطبيعة، بل لغياب إرادة حقيقية في الصيانة والتثمين. رغم أن السلطات تسوق قرار “إخلاء المبنى” قبل أسابيع كإجراء استباقي أنقذ الأرواح، إلا أن هذا التبرير يطرح أسئلة حارقة: لماذا تُركت معلمة بهذا الحجم تصل إلى مرحلة “الاحتضار المعماري” دون تدخل لترميمها؟ وكيف لمرفق عمومي يضم أرشيفاً تاريخياً ولوحات فنية نادرة أن يُترك لمصيره المحتوم تحت الأنقاض؟ إن سياسة “الهروب من البناية” عوض “إنقاذها” تعكس خللاً بنيوياً في إدارة التراث العمراني للمدينة.

مشهد الحواجز الحديدية والتطويق الأمني الذي يحيط بالمبنى والمحطة الطرقية القديمة اليوم، يجسد منطق “إطفاء الحرائق” الذي يطبع عمل المجالس المتعاقبة. فبينما كان المهتمون بالتراث يطلقون صيحات الفزع حول التشققات الظاهرة، كانت التقارير التقنية حبيسة الرفوف، ليكون الانهيار هو “التقرير النهائي” الذي كشف عورة التدبير المحلي.
في الأوساط التطوانية، لم يُستقبل الحادث كواقعة تقنية، بل كـ “طعنة” في هوية المدينة المصنفة تراثاً عالمياً. تساءل نشطاء وفاعلون: كيف لمدينة تفتخر بعراقتها أن تسمح بانهيار “قصر بلدية” يقع في قلبها النابض؟ وهل سيتحول الموقع الآن إلى فرصة لـ “الاستثمار العقاري” على حساب الذاكرة الجماعية؟
إن ضياع الأرشيف والقطع الفنية تحت الركام ليس مجرد خسارة مادية، بل هو “جريمة ثقافية” تستوجب فتح تحقيق معمق لتحديد المسؤوليات والمحاسبة، بعيداً عن لغة “القضاء والقدر”.
إن ما حدث في “مقر الأزهر” هو إنذار شديد اللهجة لباقي المباني التاريخية في تطوان التي تئن تحت وطأة النسيان. فهل ستتحرك الجهات الوصية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أننا سننتظر انهياراً آخر لنصدر بياناً جديداً يتحدث عن “سلامة الموظفين” فوق ركام التاريخ.؟