تجارة البؤس: الوجه المظلم لظاهرة التسول في شوارعنا

بقلم:مريم مستور : 

لم يعد مشهد التسول في شوارع مدننا مجرد حالة إنسانية عابرة تستدعي التعاطف، بل أصبح ظاهرة مقلقة تتفاقم يوماً بعد يوم، إلى درجة بات معها المواطن يشعر بعدم الأمان في الفضاءات العامة، من المقاهي والمطاعم إلى إشارات المرور، حيث تحوّل بعض المتسولين من طالبي مساعدة إلى مصدر إزعاج، بل وتهديد أحياناً.

في المغرب، كما في مدن أخرى،خصوصا الشمال مثل “طنجة ” لم يعد التسول يقتصر على مدّ اليد في صمت، بل أصبح في كثير من الحالات سلوكاً عدوانياً؛ ملاحقة للمارة، إلحاح مبالغ فيه، سبّ وشتم عند الرفض، بل وتطور الأمر إلى اعتداءات جسدية. حادثة “الماء القاطع” التي تعرّضت لها مواطنة فقط لأنها قالت “الله يسهل” ليست إلا نموذجاً صادماً لما آلت إليه الأمور.

الأخطر من ذلك، هو استغلال الأطفال والرضع في هذه الممارسات، حيث يُزجّ بهم في الشوارع لساعات طويلة، في انتهاك صارخ لحقوق الطفل، دون حسيب أو رقيب. وهنا يبرز سؤال ملحّ: أين هي الجمعيات التي تدّعي الدفاع عن الطفولة؟ وأين دور المؤسسات المعنية في حماية هؤلاء القاصرين من هذا الاستغلال المهين؟

المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هؤلاء لا ينتمون إلى فئة الفقراء المعدمين، بل اتخذوا من التسول “مهنة” منظمة، تدرّ أرباحاً، في حين يبقى الفقير الحقيقي متعففاً، يأنف السؤال ويحفظ كرامته. وهذا ما تؤكده قيم ديننا الحنيف، الذي ميّز بوضوح بين الحاجة المشروعة والتكسب بالتسول.

قال الله تعالى:

“لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ… يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ” (سورة البقرة: 273)

وهي إشارة واضحة إلى أن الفقير الحقيقي هو من يتعفف عن السؤال.

كما قال النبي ﷺ:

“لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكفّ الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه” (رواه البخاري).

هذه النصوص تؤكد أن العمل، مهما كان بسيطاً، أكرم من مدّ اليد، وأن التسول ليس خياراً مشروعاً لمن يملك القدرة على الكسب.

اليوم، لم تعد الظاهرة مجرد إشكال اجتماعي، بل تحوّلت إلى تهديد حقيقي لصورة البلاد، خاصة ونحن على أبواب استحقاقات دولية كبرى، وعلى رأسها تنظيم تظاهرات عالمية مثل كأس العالم. 

فالسائح الذي يبحث عن الأمان والراحة، قد يجد نفسه في مواجهة مضايقات مستمرة، ما يدفعه إلى إعادة النظر في وجهته، كما أن أفراد الجالية أصبحوا يفضلون البقاء في بيوتهم تفادياً لهذه المواقف المحرجة.

إن استمرار هذا الوضع دون تدخل حازم، يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور السلطات الأمنية والهيئات الاجتماعية.

 فهل ما يحدث خارج عن السيطرة؟ 

أم أن هناك تهاوناً في تطبيق القانون؟ 

وأين هي الاستراتيجيات الحقيقية لمعالجة جذور الظاهرة بدل الاكتفاء بردود فعل موسمية؟

المطلوب اليوم ليس فقط محاربة التسول، بل تفكيك شبكاته، وحماية الأطفال من الاستغلال، وتوفير بدائل حقيقية للفئات الهشة، مع تطبيق صارم للقانون على كل من حوّل الشارع إلى مصدر فوضى وابتزاز.

لأن الكرامة الإنسانية لا تُحمى بالشعارات، بل بالقرارات.

ولأن أمن المواطن وراحة الزائر ليست ترفاً، بل حقاً لا يقبل التأجيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.