المختفون: ثقب الأمن الأسود.. لماذا يبتلع الصمت أطفالنا..؟ 🚨
بقلم: محمد الرضاوي :
في الوقت الذي ينام فيه المغاربة على وسادة “اليقظة الأمنية” التي أثبتت كفاءة منقطعة النظير في تفكيك الخلايا الإرهابية العابرة للحدود قبل ولادتها، يستيقظ الشارع المغربي على وقع “ثقب أسود” يبتلع أطفالنا في واضحة النهار. وبين صرخات الأمهات الثكالى في القرى والمداشر، وبين لغة “النفي القاطع” التي تعتمدها المديرية العامة للأمن الوطني، تضيع الحقيقة وتتناسل الأسئلة الحارقة: هل أصبح أمن الطفل المغربي حلقة أضعف في استراتيجية الدولة الأمنية؟
تفكيك “الإرهاب” وعجز “الاختطاف”
إن المفارقة الصارخة التي تثير الاستغراب والريبة، تكمن في التباين الرهيب بين الأداء الاستخباراتي المذهل لمديرية مراقبة التراب الوطني (DST) في رصد أنفاس الإرهابيين خلف الشاشات وفي الكهوف، وبين العجز الميداني عن فك لغز اختفاء أطفال لا تتجاوز أعمارهم سنوات قليلة. كيف تنجح الأجهزة في اختراق تنظيمات دولية معقدة، وتفشل في تتبع خيوط “عصابات الكنوز” أو “الوحوش البشرية” التي تترك وراءها جثثاً هامدة في الآبار والغابات؟ هذا التساؤل ليس مجرد تشكيك، بل هو صرخة حقوقية في وجه منظومة تبدو وكأنها توجه بوصلتها نحو “أمن الدولة” وتغفل عن “أمن المواطن الصغير”.
“نفي” المديرية.. طمأنة أم هروب للأمام..؟
يأتي بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني الأخير لينفي وجود حالات اختطاف ممنهجة، معتبراً ما يُتداول “إشاعات” تهدف لزعزعة الاستقرار. لكن، كيف يمكن إقناع أسرة مكلومة عثرت على جثة طفلها متحللة بأن الأمر “مجرد حالة عرضية”؟ إن لغة الأرقام والمصطلحات القانونية الباردة لم تعد تكفي لردم الفجوة بين الواقع المرير وبين الخطاب الرسمي. إن الاكتفاء بالنفي دون تقديم “الجناة” ودون كشف “الدوافع الحقيقية” خلف تحول الاختفاء إلى قتل وتمثيل بالجثث، يعزز من فرضية وجود “منطقة رمادية” ترفض السلطات الاعتراف بوجودها.

مأساة “يونس” و”سندس”: جثث تتحدث وصمت رسمي يُربك:
رغم بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني (9 مارس 2026) الذي نفى وجود حالات اختطاف ممنهجة بداعي “الاتجار بالأعضاء”، إلا أن الواقع الميداني يحكي قصة أخرى. ففي زاكورة، انتهت قصة الطفل يونس العلاوي بالعثور عليه جثة هامدة بعد 10 أيام من الاختفاء، وهي القضية التي استنفرت الكلاب المدربة والمروحيات دون أن تمنع وقوع المأساة. وقبلها، هزت قضية الطفلة سندس في شفشاون ضمير الحماية، مما يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا تفشل منظومات التبليغ مثل “إبلاغ” ونظام “طفلي مختفي” في إنتاج نتائج استباقية تحمي الأرواح قبل فوات الأوان؟
الدوافع المسكوت عنها: الاستقصاء الغائب
تشير المعطيات الميدانية إلى أن ظاهرة “الزهريين” وعصابات استخراج الكنوز لا تزال تنخر جسد المناطق النائية، وهي جرائم تتطلب جهداً استقصائياً يتجاوز الدوريات الروتينية. إن بقاء قضايا اختفاء الأطفال “قيد التحقيق” لسنوات دون نتائج ملموسة، يحولها إلى قنابل موقوتة تهدد السلم الاجتماعي.
لقد حان الوقت لتخرج المؤسسة الأمنية من برج النفي إلى ميدان المكاشفة. فالأمن الذي لا يحمي الطفولة من “الثقوب السوداء” يظل أمناً منقوصاً، والسيادة التي لا تضمن عودة الطفل من مدرسته بسلام هي سيادة تحتاج إلى مراجعة شاملة في أولويات اليقظة.
صرخة أخيرة: قبل أن يبتلع الثقب طفلاً آخر:
إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لمفهوم “الدولة الحامية”؛ فالبلاغات التي تكتفي بالتطمينات اللفظية لم تعد تجدي نفعاً أمام نعوش الصغار التي تُحمل على الأكتاف. إننا نوجه نداءً مباشراً ومسؤولاً إلى السيد وزير الداخلية، والسيد المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني: إن دماء أطفالنا ليست أقل شأناً من القضايا الاستراتيجية الكبرى. إن المطلوب اليوم ليس مجرد “توضيح”، بل “استراتيجية أمنية استباقية” تضع حماية الطفولة على رأس أولويات الأجهزة الاستخباراتية، تماماً كما هو الحال في ملفات مكافحة الإرهاب.
كفى من سياسة النفي التي تزيد من فجوة الثقة؛ افتحوا تحقيقات شفافة في لغز “عصابات الكنوز”، وفعلوا أنظمة الإنذار المبكر بشكل حقيقي لا صوري. فالأمن الذي لا يمنع اختطاف طفل من باب منزله، هو أمن يحتاج إلى مراجعة عميقة في فلسفته وأدواته. فهل ستنتصر “اليقظة” للأطفال كما انتصرت للدولة، أم سيظل “الثقب الأسود” يلتهم مستقبل المغرب في صمت؟