بين حلاوة العيد قديماً… ومرارة العيد في زمن التكنولوجيا

بقلم: مريم مستور:

كان العيد فيما مضى عيدين: عيد في التقويم، وعيد في القلوب. لم تكن الفرحة تُقاس بما نملك، بل بما نشعر به. كانت بسيطة، لكنها عميقة؛ قليلة في المظاهر، عظيمة في الأثر.
بالماضي، كانت بهجة العيد تبدأ قبل قدومه بأيام. لباس العيد لم يكن مجرد ثوب، بل حلم يُخاط عند الترزي، تُقاس أطرافه مرة بعد مرة، وتُحفظ تفاصيله في الذاكرة قبل الخزانة. كان الأطفال ينامون وهم يحتضنون ملابسهم، كأنهم يخشون أن تسرقها الأيام قبل أن يلبسوها صباح العيد.
أما الفتيات، فكنّ يعشن ليلة الحناء كعرس صغير، يتقلبن بين الضحك والفرح، غير مباليات ببقع الحناء التي تزين الفراش، لأن الفرح كان أكبر من كل شيء.
وكانت لمة العائلة هي روح العيد، لا تكتمل الفرحة دونها. بيوت مفتوحة، قلوب متقاربة، زيارات لا تنقطع، وأحاديث تمتد من الضحك إلى الذكريات. كانت الموائد بسيطة، لكن القلوب ممتلئة. حلوى تُعد في البيت، فطائر تفوح رائحتها بالحب، وكؤوس الشاي تجمع الحاضرين حول دفء لا يُشترى.
وكان للجيران نصيب، وللمحتاج مكان محفوظ. إن علموا بفقير، حملوا له من طعامهم دون أن يجرحوا كرامته. كانت الرحمة تُمارس بصمت، والإنسان يُقدَّر لذاته لا لصورته.
أما اليوم… فقد تغيرت الملامح.
أصبحت الموائد عامرة بكل ما لذ وطاب، لكن كثيراً ما تفتقد من يجلس حولها.
صرنا نشتري أكثر، لكن نشعر أقل.
نُكثر من الصور، ونُقلل من اللقاءات.
التكنولوجيا التي كان يفترض أن تقرّبنا، خلقت بيننا مسافات باردة.
أصبح العيد يُعاش خلف الشاشات، لا في الأحضان.
الزيارات استُبدلت برسائل، واللمة صارت “مكالمة جماعية”، والفرح تحوّل إلى منشور يُنشر ثم يُنسى.
بل الأخطر من ذلك، أن العلاقات ضعفت، وساء الظن، وتسللت القسوة إلى القلوب.
جار لا يسأل عن جاره، ومحتاج لا يشعر به أحد، ومريض قد يمر عليه العيد دون زيارة.
حتى في الجنائز، يحضر البعض لا للمواساة، بل للمظهر أو المصلحة… وكأن القلوب فقدت شيئاً من إنسانيتها.
العبرة ليست في الماضي لنبكيه، ولا في الحاضر لنلعنه… بل في أنفسنا لنصلحها.
فالفرح الحقيقي لا تصنعه التكنولوجيا، بل تصنعه القلوب الحية.
والعيد لا يكون عيداً إلا إذا عاد إلينا معناه: صلة، رحمة، مشاركة، وصدق.
فلنُحيِ ما اندثر:
لنزر أقاربنا، ولو بخطوة.
لنطرق باب جار، ولو بكلمة.
لنشعر بالمحتاج، ولو بالقليل.
لأن العيد بلا لمة… مجرد يوم عادي،
والعيد بلا قلوب… بلا طعم ولا حلاوة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.