الشاعر الأديب الطاهر لكنيزي في قصيدة: وَحْدي.. أَشْرَبُ كَأْسَ حَيْرَتي

ما لي أرَى أعْماقَ أحْداقِكِ

تَحْبَلُ بِأَمْشاجِ الْهَوانِ

وَطَحالِبِ الأَسى والمُحْل؟

مَنْ عَكَّرَ ماءَكِ النّميرَ

لَمْلَمَ الفِراخَ والفِخاخَ

هَزَّ دَوْحَةَ الْوِصالِ

حَتّى نَفَقَتْ عَنادِلُ الأُنْسِ

وَباضَتْ في عِشاشِ الْحُلْمِ

بومَةُ الرَّحيل؟

بُحَيْرَتا عَيْنَيْكِ بِالْغَسَقِ

والْعُشْبُ المُحيطُ بهما مُتّسِقاً

يُخاتلُ الأَرَقَ في سُحْم الجُفون

كانَتا مُنْتَجَعاً

لِبَجَعاتِ دَنَفي القَديم

حِضْناً لأوَزِّ قَلقي الْبَهيم

مَرْفأً لأطْيافِ الْحَنينِ الوِتْر

بَيْنَ صَرْخَتَيْن

فَلِماذا هَذا الشِّتاءُ ساخِنٌ

يُباغِتُ الأَحْلامَ في القُمُط

تَسْتثَيرُهُ غَضارةُ الأزْهارِ

في الأُصُصِ؟

هَلْ تَذْكُرين؟

في وَقْدَةِ الشّوقِ وحَضْرَةِ الهَيام

لَمْ نَكُنْ نَحْتاجُ للثّابِتِ والْمَحْمول

أوْ نَقْرَةِ فَأْرَةٍ

لِفَكِّ شَفْرَةِ الْخِطابِ

كانَتْ هَمَساتُنا عَصافيرَ

تُدَوْزِنُ أمواجَ الأثير

وخَرائِطَ صَباحٍ سائِحٍ

مَنْ بَعْثَرَ الأَسْرارَ

في وُكْنِ النَّهارِ

شَرَّدَ الرُّؤى في خَلَدِ الصِّغارِ

حَتّى غَدَونا كَالْحُبارى

نتحاشى ظِلّنا؟

يا زَمناً يَرْكَبُ شوفينيّةً دَهْماءَ

ما أنْبَأْتَني أَنَّ الفُروسيّةَ

رَقْصَةُ المُتيَّمينَ في الْهَواء

أنَّ الصَّمْتَ دَيْدَنُ وَدينُ الْجُبَناء

إنّي ما زِلْتُ ساذَجاً

كَما عَهِدْتَني

لَمْ أَتَحَرَّرْ مِنْ بَداوَتي

بِحَفِّ شارِبٍ كَثٍّ

أُبَلِّلُهُ كُلَّما ظَلَمْتُ أَو ظُلِمْتُ

لايَجْدِلُ شَعْرَ الصَّخْرَةِ الشَّعْثاءِ

إلاَّ النّسْرُ

لا يَعْرِفُ قَلْبَ الْجَذْوَةِ الزَّرْقاءِ

إلاّ الْماءُ دافِقاً

فَكَيْفَ تَتَسَلَّقُ شِعابَ اللَّيْلِ

عَبْرَةٌ بِحَجْمِ الْوَيْلِ

ثُمَّ لا تَفُتُّ الْوَقْرَ

في أُذُنِ هَذا الْكَوْنِ ؟

كَيْفَ لا تُفجِّرُ بَراكينَ الشَّجا

في قَلْبِ قَنّاصٍ زَنيم..؟

يا سيِّدَ الرّومِ

أنا لَسْتُ حَفيدَ حاتِم الطّائي

لأعْقِرَ مَطِيَّتي

و لا سبِبْطَ امْرِئِ القَيْسِ

لأُرْجِئَ مَواعيدَ انْتِصاراتي

وَثَأْرٍ نازِفٍ

فَالْيَوْمَ أَمْرٌ وَغَداً أَمْرُ

سَأَشْرَبُ دِنانَ حَيْرَتي.. وَحْدي

بِظِلِّ صافِناتِ الْفُرْسِ والرّوس

قُصارايَ خِطابٌ مُفْعَمٌ بِالْعَذْلِ

أَوْ حَشْوُ وَعيدٍ خُلَّبٍ

يُغْرِقُني في عَرَقي

فَيَخْجَلُ الْوَرَقُ مِنْ رَطانَتي.

  • أعشاب شائكة: منشورات وزارة الثقافة: 2011( سلسلة إبداع)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.